أحمد بن محمد القسطلاني

465

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

ذر : ولا تليت ، بزيادة ألف وتسكين المثناة الفوقية ، وصوّبها يونس بن حبيب ، فيما حكاه ابن قتيبة كأنه يدعو عليه ، بأنه لا يكون له من يتبعه ، واستبعد هذا في دعاء الملكين . وأجيب : بأن هذا أصل الدعاء ، ثم استعمل في غيره ( ويضرب بمطارق من حديد ضربة ) بإفراد ضربة ، وجمع : مطارق ليؤذن بأن كل جزء من أجزاء تلك المطرقة مطرقة برأسها ، مبالغة ( فيصيح صيحة يسمعها من يليه ) مفهومه : أن من بعُد لا يسمعه ، فيكون مقصورًا على الملكين . لكن في حديث البراء : يسمعها ما بين المشرق والمغرب . والمفهوم لا يعارض المنطوق ، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد : يسمعه خلق الله كلهم ( غير الثقلين ) الجنّ والإنس . وغير نصب على الاستثناء . وفي هذا الحديث : إثبات عذاب القبر ، وأنه واقع على الكفار ، ومن شاء الله من الموحدين . والمسألة ، وهل هي واقعة على كل أحد ؟ فقيل : إنما تقع على من يدّعي الإيمان إن محقًا وإن مبطلاً لقول عبيد بن عمير ، أحد كبار التابعين ، فيما رواه عبد الرزاق : إنما يفتن رجلان مؤمن ومنافق ، وأما الكافر فلا يسأل عن محمد ، ولا يعرفه . والصحيح أنه يسأل ، لما ورد في ذلك من الأحاديث المرفوعة الصحيحة الكثيرة الطرق ، وبذلك جزم الترمذي الحكيم ، وقال ابن القيم في الروح : في الكتاب والسنة دليل على أن السؤال للكافر والمسلم قال الله تعالى : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ } [ إبراهيم : 27 ] وفي حديث أنس ، في البخاري : وأما المنافق والكافر ، بواو العطف . وهل يسأل الطفل الذي لا يميز ؟ جزم القرطبي في تذكرته أنه يسأل ، وهو منقول عن الحنفية ، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل . ومن ثم قالوا : لا يستحب أن يلقن . وقال عبيد بن عمير ، مما ذكره الحافظ زين الدين ابن رجب في كتابه ، أهوال القبور : المؤمن يفتن سبعًا والكافر أربعين صباحًا . ومن ثم كانوا يستحبون أن يطعم عن المؤمن سبعة أيام من يوم دفنه . وهذا مما انفرد به ، لا أعلم أحدًا قاله غيره . نعم ، تبعه في ذلك ، وفي قوله السابق ، بعض العصريين ، فلم يصب والله الموفق . وقد صح أن الرابط في سبيل الله لا يفتن ، كما في حديث مسلم وغيره ، كشهيد المعركة ، والصابر في الطاعون الذي لا يخرج من البلد الذي يقع فيه قاصدًا بإقامته ثواب الله ، راجيًا صدق موعوده ، عارفًا أنه إن وقع له فهو بتقدير الله تعالى ، وإن صرف عنه فبتقديره تعالى ، غير متضجر به لو وقع ، معتمدًا على ربه في الحالتين لحديث البخاري والنسائي ، عن عائشة مرفوعًا : فليس من رجل يقع الطاعون ، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا ، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما قد كتب الله له ، إلا كان له مثل أجر الشهيد . وجه الدليل أن الصابر في الطاعون ، المتصف بالصفات المذكورة ، نظير المرابط في سبيل الله . وقد صح أن المرابط لا يفتن ، ومن مات بالطاعون فهو أولى ، وهل السؤال يختص بهذه الأمة المحمدية ، أم يعم الأمم قبلها ؟ ظاهر الأحاديث التخصيص ، وبه جزم الحكيم الترمذي ، وجنح ابن القيم إلى التعميم ، واحتج بأنه ليس في الأحاديث ما ينفي ذلك ، وإنما أخبر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمته بكيفية امتحانهم في القبور ، قال : والذي يظهر ، أن كل نبيّ مع أمته كذلك ، فتعذب كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم ، إقامة الحجة عليهم ، كما يعذبون في الآخرة بعد السؤال وإقامة الحجة عليهم . وهل السؤال باللسان العربي ، أم بالسرياني ظاهر قوله : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ إلى آخر الحديث ، أنه بالعربي . قال شيخنا : ويشهد له ما رويناه من طريق يزيد بن طريف ، قال : مات أخي ، فلما ألحد وانصرف الناس عنه ، وضعت رأسي على قبره ، فسمعت صوتًا ضعيفًا ، أعرف أنه صوت أخي ، وهو يقول : الله فقال له الآخر : ما دينك ؟ قال : الإسلام . ومن طريق العلاء بن عبد الكريم ، قال : مات رجل ، وكان له أخ ضعيف البصر ، قال أخوه : فدفناه ، فلما انصرف الناس عنه وضعت رأسي على القبر ، فإذا أنا بصوت من داخل القبر ، يقول : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ فسمعت صوت أخي ، وهو يقول : الله . قال الآخر : فما دينك ؟ قال : الإسلام ، إلى غير ذلك مما يستأنس به لكونه عربيًّا . قال الحافظ ابن حجر : ويحتمل مع ذلك أن يكون